كريم نجيب الأغر

195

إعجاز القرآن في ما تخفيه الأرحام

حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] نفهم أنه يتعين على الرجال اعتزال النساء اللاتي يسيل الدم من فروجهن وعدم الاقتراب منهن ، وهذا الاعتزال هو اعتزال مجامعتهن وليس عدم الاقتراب منهن كليا كما بيّنته السنة النبوية الشريفة ، فلقد وردت أحاديث كثيرة ، يعتدّ بها ، تشير إلى أن الرجل يستطيع أن يمارس الجنس مع امرأته من دون أن يجامعها ، كما في الحديث : أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « اصنعوا كل شيء إلا النكاح » [ أخرجه مسلم ح 80 ] - من باب الجواز - . وفي الحديث : « عن حزام بن حكيم عن عمه أنه سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض ؟ قال : « لك ما فوق الإزار » [ أخرجه أبو داود ح 81 ] » - من باب الإباحة - . وكلمة « المحيض » التي جاءت في الآية الكريمة مصدر من حاض ، على وزن كلمة « المجيء » و « المبيت » و « المغيب » وتطلق على مكان الحيض ، بالإضافة إلى الدم ، جاء في لسان العرب « 1 » : « حيض : الحيض : . . . والمحيض يكون اسما ويكون مصدرا . . . قال عزّ وجلّ : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ ، قيل إن المحيض في هذه الآية المأتي من المرأة ، لأنه موضع الحيض ، فكأنه قال : اعتزلوا النساء في موضع الحيض ولا تجامعوهن في ذلك المكان . . . » . وهكذا فإن الآية تحرم مباشرة النساء في مكان الفرج فقط . ونفهم من التفسير السابق أن الإسلام يخالف اليهود والعرب والمجوس والمصريين في اعتزال النساء ؛ فهو لا يأمر باعتزال النساء كليا ولكن باعتزال جماعهن زمن المحيض ، ولا يرى مجامعتهن مجامعة كليّة كما يرى النصارى ، فهو بهذا دين وسط وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] . كذلك يخالف الإسلام اليهود بأنه يسمح للرجال بإتيان نسائهم فور انقطاع دم الحيض شرط أن يغسلن فروجهن بالماء « 2 » ، فقوله تعالى : حَتَّى يَطْهُرْنَ . . . ، يشير فيما يشير « 3 » إلى انقطاع دم الحيض كما جاء في حديث للسيدة عائشة رضي اللّه عنها : « وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدّرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة ، فتقول : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء ، تريد بذلك الطهر من الحيضة » [ أخرجه البخاري ح 83 ] ، وقوله

--> ( 1 ) لسان العرب لابن منظور - مادة « حيض » - ج 3 / ص 419 . ( 2 ) وكذلك شرط أن يغتسلن كليا عند الجمهور ، غير أن الاغتسال الكلي أمر تعبدي فقط ، انظر كلامنا في الحاشية رقم 3 ، ص 196 - 198 . ( 3 ) فقد يشير إلى أن يغسلن النساء فروجهن بالماء ، فتبرأ من الحيض ( انظر الحاشية رقم 3 ، ص 196 - 198 ) .